عادل مالك - النجاح - تجتاح الولايات المتحدة الأميركية من حين لآخر مجموعة أعاصير تُطلق على كل منها تسمية «حركية». واستناداً إلى التجارب السابقة فهذه الأعاصير تخلق الكثير من الدمار والخراب. ومنذ 20 كانون الثاني (يناير) حل بالولايات المتحدة إعصار جديد حمل اسم دونالد ترامب.
وقد عرفت أميركا على مرّ التاريخ رؤساء تعاقبوا على الإقامة في البيت الأبيض، ما شكل في حينه بعض الظواهر على اختلاف أمزجة أصحابها، لكن الرئيس الحالي وهو يحمل الرقم 45 في التاريخ الأميركي المعاصر ملأ الدنيا وشغل الناس بأسلوب استعراضي مسرحي فريد في سجل تاريخ الرؤساء، وأسوأ ما في «إعصار» ترامب الذي يعصف بطول الولايات المتحدة وعرضها أنه باق لأربع سنوات متواصلة على الأقل، على أن ينظر في وقت لاحق في إمكان التمديد لولاية ثانية!
قيل الكثير حول ظاهرة ترامب وشخصيته الإشكالية المثيرة للجدل، وسيقال أكثر، وفي السياق نفسه بعض الكلام.
منذ اللحظات الأولى لجلوسه سعيداً في المكتب البيضوي الشهير في البيت الأبيض سارع إلى استصدار مجموعة قوانين ذات طبيعة إشكالية ومثيرة لأكثر من مجال وسجال، وفي مختلف الأوساط والمجالات، حتى داخل صفوف حزبه الجمهوري. لكن الرجل بطبيعته الاقتحامية لا يقيم وزناً لأي اعتبار ولأي رأي معارض له، هو ماضٍ في التمسك بواقع التشدد بكل ما يفكر فيه ويسعى إلى فرضه سواء في الداخل الأميركي أو في الخارج، وشهدت مواقفه الكثير من المعارضة والتعبير عن الاستنكار والتنديد بمضامين القرارات والتوجهات التي اتخذها منذ بداية عهده.
ولم تقتصر ردود الأفعال على الداخل الأميركي فحسب، بل شملت مختلف دول العالم، بخاصة «الدول السبع الأخرى» ذات الطبيعة الإسلامية، نظراً للتشابك في العلاقات بين شعوب الداخل الأميركي والخارج الأميركي. وكانت القوانين التي أصدرها ترامب ووقع عليها على الفور، قد تركت آثاراً مدمرة على الآلاف من الرعايا من مختلف الجنسيات العالمية.
وقبل التوغل أكثر فأكثر في ما خلفه انتخاب ترامب كرئيس للولايات المتحدة، توافرت لدى كاتب هذه السطور معلومات ذات طبيعة مميزة عما قيل حتى الآن بحقه، وهي معلومات من مصدر في «الداخل الجمهوري»، ومحور الحديث تركز على الدوافع والأسباب التي أدت إلى انتخابه، وفي ما يأتي البعض منها.
أولاً: إن ما حدث في الانتخابات الأخيرة يعتبر أكثر من انتفاضة، وأقل من ثورة.
ثانياً: لاقت عملية التصويت لمصلحة ترامب عملية اعتراضية على ثماني سنوات من حكم الرئيس باراك أوباما والتردد الذي أحاط بالعديد من مواقفه.
وقد سعى باراك حسين أوباما إلى سياسة المهادنة مع الجميع، أملاً بإرضاء أكبر عدد ممكن من زعماء العالم، وفي الداخل الأميركي، فإذا به يغضب الجميع من حوله. وفيما سعى إلى الإمساك بالعصا من منتصفها فإن طبيعة الرئيس ترامب تختلف كلياً، ولذلك فهو يعتبر من «صقور» الجمهوريين في الداخل الأميركي. وهو سيمضي في قراراته لـ «إخضاع» كل من يعاديه في الرأي والموقف. ومن هذه الزاوية يعتبر فوزه مفاجأة باعتبار أنه لا ينتمي إلى ما يسمى بـ «المؤسسة الأميركية الحاكمة».
ثالثاً: إان انتخاب ترامب يكرس الحالة الانقسامية السائدة في صميم الحياة الأميركية، وجاءَ هذا الانتخاب ليوجه رسالة واضحة إلى عمق المجتمع الأميركي للقول إن غالبية الأميركيين لم تتقبل كلياً بعد وجود «أسود في البيت الأبيض»! على رغم كل الجهود والمساعي التي بذلت على مدى سنوات للعمل على تضييق الفجوة العنصرية داخل جموع الشعب الأميركي.
وفي الانتقال إلى الفصول الأخرى المتصلة برئاسة دونالد ترامب، «شاءَ من شاءَ وأبى من أبى»، فهي حقيقة راهنة يجب التعامل معها للسنوات الأربع الآتية ولو من حيث المبدأ.
لقد قال ترامب منذ بداية انطلاق حكمه إن أميركا هي الأولى بغية التركيز على العصبية الداخلية التي تؤثر في الداخل الأميركي على أي خارج غير أميركي، وبتعبير أوضح، أراد القول بهذا الشعار: «أميركا أولاً وأخيراً... ظالمة كانت أم مظلومة»!
لقد خلق ترامب منذ تسلمه سلطاته الدستورية العديد من الأعداء، حتى قيل فيه أنه كلما ألقى خطاباً أو أدلى بتصريح أفقد الولايات المتحدة صديقاً أو حليفاً، نظراً لما تنطوي عليه مواقفه مما يستفز الأطراف الأخرى.
وعلى سبيل المثل لا الحصر، دخل في مواجهات في الداخل والخارج الأميركيين.
في الداخل: تقف غالبية الصحف الأميركية الرئيسية من «نيويورك تايمز» إلى «واشنطن بوست» إلى «وول ستريت جورنال» موقفاً سلبياً ومعادياً. وهناك الأزمة مع المكسيك الخاصة ببناء الجدار بين المكسيك والولايات المتحدة، وقد ولدت أزمة حادة في العلاقات بين البلدين. ولم يوفر ترامب حتى القاضي الذي أصدر حكماً بعدم قانونية الإجراءات وعدم دستوريتها بخاصة ما يتعلق منها بقوانين الهجرة المتشددة. وفي معرض تعليقه على القرار القضائي بإبطال مفعول القوانين التي أصدرها لم يتردد بالقول: «إنه شبه قاضٍ». فماذا عن سياسات ومواقف ترامب من القضاة الشرفاء؟
ويجب التوقف هنا عند «الفصل الجديد» في العلاقات بين أميركا – ترامب وروسيا – فلاديمير بوتين، إذ إن الودّ ميز علاقة الرجلين في أول اتصال هاتفي بعد انتخابه.
وبالنسبة إلى سورية، أبلغ ترامب بوتين تركيزه على مواجهة مقاتلي «داعش» كأولوية مطلقة، على أن يترك بتّ مصير الرئيس بشار الأسد إلى وقت لاحق. وهنا تكمن الإشارة إلى التوتر الذى ساد العلاقات الأميركية – الروسية عقب نشر معلومات تحدثت عن إقدام روسيا على التدخل في عملية انتخاب ترامب.
ونبقى في منطقة الشرق الأوسط للإشارة إلى موضوع بالغ الحساسية حدث قبل أيام قليلة، حيث أعلن من جانب إسرائيل عبر بيان لنتانياهو، وعبر إدارة ترامب، عن سقوط خيار الدولتين، دولة للفلسطينيين، وأخرى لإسرائيل. وهذا تطور بالغ الأهمية والخطورة، لكن لم يلق أي اهتمام من جانب الأطراف المعنية مباشرة بمصير عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
مثل هذا التطور يعني سقوط قيام دولة فلسطينية وهو الحل الذي تم اعتماده دولياً قبل بضع سنوات. والآن تم إسقاط هذا الخيار من دون سماع أي رأي أو موقف يوازي خطورة التخلي عن مبدأ قيام الدولتين.
في تداعيات ومضاعفات هذا التطور السلبي، يُقضى على كل الحلول التي سبق أن طرحت على أساس قيام الدولتين.
وبعد...
نحن والعالم أمام «أميركا جديدة»، تذكرنا بها حركات الرئيس ترامب الإيمائية والاستعراضية، وليس انتخاب ترامب في هذا التوقيت بالذات إلا ذلك الانعكاس للمتغيرات التي يشهدها العالم في هذه الفترة الزمنية بالذات وقياسياً، في خصوص سمات وملامح الزمن الآتي، من أننا مقبلون في لبنان ودول المنطقة خصيصاً على تطورات يبدو طالعها خطراً على الدول التي لا تدرك كيفية ترتيب أمورها لمواجهة الآتي من التطورات، حيث لا مكان للصغار والذين يتحولون بصورة تدريجية إلى ذخائر حية للحروب التي تسحق الدول المستضعفة ولا تقيم لها وزناً، إذا لم تدرك هذه الدول كيف تحافظ على أمنها الداخلي ووحدة أبنائها على اختلاف «فصائلهم» ومنازعاتهم!
بالمناسبة: ما هو وضع جيش الدولة الإسلامية «داعش»؟
المزيد من الدول و «المرجعيات» الإقليمية والدولية يتحدث عن إنزال خسائر فادحة بتنظيم «داعش»، لنكتشف في موقع آخر أنه لا يزال ممسكاً بخناق بعض المناطق ما بين سورية والعراق، وما بعد بعد سورية والعراق.
هل يريد العالم إقناعنا بأن كل الدول المجتمعة في تحالف ضد «داعش»، وأن العالم كله، غير قادر على إنهاء أسطورة «داعش»؟
ويبقى الموضع الرئيسي الذي لا يمكن المرور من دون التعرض له: إنه إيران ومصير «الاتفاق النووي» الذي أعلن دونالد ترامب عن رغبته في إعادة النظر في مضمونه؟
وحتى الآن، اقتصر الأمر على الحرب الكلامية. لكن السؤال المطروح: من يستدرج من؟ طهران، أم واشنطن؟
ما أخشاه أن نبلغ مرحلة نطرح فيها التساؤل التالي: من يحمي أميركا - ترامب من سياستها في الداخل الأميركي أو في الخارج؟
من سمة المرحلة: تابعوا دونالد ترامب، وأحكموا شد الحزام.