النجاح - تعتبره طفلها المعوّق الذي عليها أن تحتضنه وتحاول أن تعطيه العلاج اللازم ليتماثل إلى الشفاء. مختلفة هي وجهة نظر الفنانة الفلسطينية ريم البنا إلى مرض السرطان، لا سيما سرطان الثدي الذي تعيش معه منذ ثماني سنوات. تعترف بأنها جريئة، لكن جرأتها زادت مع إصابتها بالمرض، وساهمت في جعلها تعيش كل اللحظات الجميلة وتتخلص من كل ما يزعجها، فانطلقت في الحياة ونحو الفن.

تتحدث ريم عن بداية إصابتها بالمرض، فتشير إلى أنها أجرت فحوصاً طبية لأنها شعرت بأنها ليست بحالة صحية جيدة، وهيأت نفسها بأنها ربما تكون مصابة بمرض ما، وأقنعت نفسها بأن تتقبّل قدرها، إلا إنها شعرت بالصدمة عندما أخبرها الطبيب أنها مصابة بسرطان الثدي، وعاشت حالة من الضياع، تقول: «سألت نفسي لماذا أصبت بهذا المرض وأنا أهتم بصحتي على الدوام وأتناول الأطعمة الصحية ولا أتناول الأطعمة المصنعة، وأرضعت أولادي لسنوات طويلة. كل المسببات لسرطان الثدي لم تكن موجودة عندي، كما أنني نباتية، ولا أدخن، فلماذا أصبت بالمرض؟ كان الخبر على مسامعي كالصاعقة، ومباشرةً بدأت التفكير بأنني سأموت وبأنه عليّ أن أفكر كيف سأمضي ما تبقى من حياتي مع أولادي وعائلتي، وكيف سأتصرف بهذا الوقت القصير، كل هذه التهيؤات كانت نابعة عن جهل كنت أعيش فيه».

وتتابع ريم: «لكن لاحقاً، عندما تحدثت إلى طبيبي، قال لي إنه عليّ أن أخضع للعلاج، وعليّ أن أتخلص من هذا المرض. فسألته: وهل من أحد يُشفى من هذا المرض؟ فقال: بالتأكيد هناك نسبة نجاح عالية. وكانت هذه بمثابة جرعات من التفاؤل وأنه ليس بالضرورة أن يموت المصاب. مرضي كان في مراحله الأخيرة ولم أكتشفه في وقت مبكر، لكن بدأت بالقراءة وإجراء الأبحاث لأتعرف أكثر إلى المرض وإن كان هناك ضوء في نهاية هذا النفق المظلم أم لا. لكن السنوات التي مرّت أثبتت أن هناك ضوءاً بإمكان مريضة سرطان الثدي أن تكمل حياتها من خلاله».

«أول شخص أطلعته على خبر مرضي كان أمي، وكان يجب أن تكون على علم بحالتي وما الذي أمر به»، تقول ريم وتضيف: «واجهت المرض بعدما نفذت كلام الطبيب وخضعت للخطة العلاجية التي وضعها لي، اقترح عليّ أن أخضع لعلاج كيماوي قبل عملية الاستئصال، لكي يعرفوا مدى تجاوب المرض مع الدواء وإن كان سيؤثر في علاجي في المستقبل، خضعت لعلاج كيماوي صعب جداً، خسرت شعري وزاد وزني، لأن تركيبات الدواء تزيد حجم الجسم». وتلفت إلى أنه قبل أن يسقط شعرها، أخبرها الطبيب أن العلاج سيسقط شعرها، «رفضت في البداية وعدت إلى المنزل، فوضعت أصابعي على حاجبي لأتخيل شكلي من دون حاجبين، فانهرت حينها وبكيت كثيراً وقلت إنني لن أخضع للعلاج وليكن الموت، ويكفي أن أنظر إلى نفسي في المرآة وأعرف نفسي، لكن ساعدني طبيبي، إضافة إلى طبيب نرويجي أعرفه وهو صديقي، علم بحالتي وأخبرته عن هواجسي بالنسبة إلى المرض. فقال أنه بعد العلاج بأربعة أشهر سيعود شعري، وبالتالي عليّ أن أخضع للعلاج مباشرة وفقاً لتعليمات الطبيب». وتتابع: «فعلاً خضعت للعلاج وتساقط شعري بعد أول علاج، ثم حلقته، ولم أكن أفكر بأن أطل على الناس حليقة الرأس، لكنني قررت ألا أضحك على نفسي ولا على الناس، وأن أطلّ بشكلي الذي أصبحت عليه».

تؤكد الفنانة الفلسطينية أنها تلقت دعماً كبيراً من الجمهور، وحتى اليوم ما زال يساندها، وتقول: «عندما أرى تعليقاتهم المتفائلة على كل صورة أنشرها أو تعليق أكتبه، أشعر بأنني أمنحهم القوة وأستمدها منهم. هم الداعم الأكبر لي، بخاصة أنهم لم يتخلوا عني بعد كل المعاناة التي مررت بها، ورغم تقصيري تجاههم فنياً لم يبتعدوا عني، وهذا دعمني كثيراً».

ترفض ريم فكرة أن يكون اليأس طرق بابها، وتوضح: «حتى عندما علمت بمرضي تضايقت وبكيت وصرخت، وتعبت نفسيتي، وكان من الصعب أن أخبر أولادي، وتساءلت كيف سيتغير شكلي بعد العلاج، كما طرحت تساؤلات كثيرة، وانتابتني مشاعر متضاربة، وكان الأمر صعباً جداً، لكنني لم أشعر باليأس».

وتتابع: «ثماني سنوات وما زلت على قيد الحياة، وعلى رغم أن المرض لم يُكتشف في بداياته، أعتبر أن تلك كانت رسالة لكي أكون مثالاً للنساء الأخريات، وهي أنه حتى لو كنتِ في مرحلة متقدمة من المرض لا تفكري بأنك ستموتين أو انتهت الحياة هنا». وتلفت إلى انها شعرت بأن حياتها ابتدأت بعد أن اكتشفت أنها مريضة، «وبدأت أعيش الحياة التي أحب أن أعيشها، وتخلصت من كل الأفكار التي تزعجني، وانطلقت بفني وبالحفلات والسفر والنشاطات الكثيرة. كل ذلك أعتبره رسالة من الله ليقول لي إنه باستطاعتي أن أستمر، وأستطيع أن أعتمد على نفسي وأكون أنا ريم ولا أرضخ للضغوطات، وأن أظهر بشكل معين أمام الناس، فالمرض أعطاني حرية وجرأة أكثر، إذ نشرت صوري وأنا حليقة الرأس، وتحدثت عن المرض بكل وضوح وصراحة». وتتابع: «تعلمت أن أكون حرة وأقوم بكل ما أحبه وأريده وكل ما حلمت به، ولا أدع أي شيء يوقفني عن حلمي، حتى وجعي وتعبي ومعاناتي يجب ألا تقف عائقاً أمام نشاطاتي وأحلامي، تعلمت أن أكون حقيقية، ولا أخبئ شيئاً، تعلمت أن أكون جريئة وقوية ومتفائلة بكل شيء حولي، وأبحث عن الجميل حتى في الأشياء القبيحة، وأستمد الطاقة والأمل حتى أكمل وأتخطى هذه البشاعة والوجع والعذاب».

وفي حال مرورها بفترة شعرت فيها بالضعف، تشير الى انها شعرت بأوجاع معينة حدّت من حركتها، وتضيف: «ما أشعرني بالعجز وصعوبات التنقل للخروج للقاء الأصدقاء، يضايقني هذا الموضوع جداً. لكن دائماً أفكر بآليات وطرق لأتغلب على هذا الهبوط المعنوي، العجز صعب لأنه يتعبنا ويشعرنا بالضعف، لكن معنوياتي قوية وأنا إنسانة أحب الحياة وأكابر على وجعي كثيراً لكي لا أصاب بالعجز التام».

وتلفت ريم إلى أنها تستمد قوتها من الجمال الذي يحيط بها، من أولادها وأصدقائها، والتجارب التي يمر بها كثيرون في حياتهم، من كل جميل حولها، وتتابع: «من قهوة الصباح والورد الموجود في حديقتي، من التطريز الفلسطيني الذي أحيكه، من الموسيقى والفن والإبداع والشعر، كل المفاهيم الجمالية تعطيني القوة وتدفعني الى المقاومة، أنا في حالة مقاومة مستمرة».

وعن إصابتها للمرة الثانية عام 2015، توضح ريم: «ثمة من يقول إنني أصبت بالسرطان عام 2009 وشفيت ثم أصبت ثانية عام 2015، هذه المعلومة غير صحيحة، من عام 2009 حتى اليوم كنت أتعافى لفترات ومن ثم يعود المرض، وأنا في حالة علاج دائم منذ ثماني سنوات. هذا الأمر متعب للجسم، لكنه جيد، لأن طبيعة مرضي بطيئة ولا ينتشر بسرعة، وهذا البطء يساعدني لأعيش حياة أطول، كما أن مرضي بطيء في تقبّله العلاج، لذلك تجدينني أتعب ثم أتماثل للشفاء بعد العلاج. عام 2015، اعتقدوا أنني أصبت مرة ثانية، لكن العلاج الذي تلقيته حينها جعل شعري يتساقط ثانية، فظنوا أن السرطان أصابني من جديد. عندما تساقط شعري في المرة الثانية، كنت جريئة أكثر وخرجت حليقة الرأس، حتى أنني نشرت فيديو خلال حلق شعري لكي أقول إنه موضوع عادي وسيمر».

غيابي عن الغناء مؤلم أكثر من المرض، تقول الفنانة الفلسطينية، وتوضح أنه لا علاقة لمرضها بتوقّفها عن الغناء، بل لأنها تعرضت لشلل في أحد أوتارها الصوتية لسبب مبهم غير معروف حتى الآن، لكنها تؤكد أنها لن تسكت وتعمل حالياً على ألبوم فيه قراءات بصوتها، يتناول كتم الحريات وحرية التعبير وكم الأفواه، وتستدرك قائلة: «بالتأكيد حياتي من دون غناء موجعة كثيراً، لأن في بالي الكثير من الألحان وأحاول أن أغني ولا أستطيع. في السنة الماضية، أجرى لي اطباء ألمان عملية في الأوتار وتحسّن صوتي كثيراً، وربما أستطيع أن أخوض تجارب غنائية جديدة، لكن موجع كثيراً أن أفقد صوتي، ربما لو أصبت بالعمى أو الشلل كان أسهل عليّ من فقداني صوتي».

وعن موقفها من مسلسل «حلاوة الدنيا»، تشرح ريم: «لم يزعجني المسلسل، بل وجدت أن هناك ربما سطحية في التعامل مع مريضة السرطان، في البدايات شاهدنا إحدى المريضات اللواتي رفضن العلاج الكيماوي وتوجهن إلى علاجات أخرى، لأن الكيماوي يزيد المرض، وأنا كمريضة سرطان أخضع للعلاج، فكيف سأتقبل هذا الحوار؟ كان مزعجاً بالنسبة إلي، تعرضت المريضة لهبوط معنوي حتى ولو حاولوا في أماكن أخرى أن يرفعوا من معنوياتها، ثم تخضع للعلاج، إلا أنه لم يعالج عمق الحالة. حتى بطلة العمل (هند صبري) لم تدرس حالة المريضة لكي تعبّر عن لحظة معاناتها، وعن اللحظة التي تقوى بها هذه المريضة وتضرب كل شيء عرض الحائط وتقول إنها تود أن تعيش وتكون قوية، إذ كنت حساسة جداً في هذه النقطة، وربما لو لم أكن مريضة سرطان لما كنت لمست تلك الملاحظات.

وعن علاقتها بالأمل تقول: «علاقتي هي علاقة تفاؤل وحب الحياة والجنون والانعتاق من كل الأشياء البشعة والآلام، وكل ما يحدّ حريتنا وأحلامنا. أسير دائماً نحو الضوء لأنني لا أحب الظلمة. وحتى أثناء العلاج أهتمّ بمظهري وشكلي وابتسامتي».

وإن كانت تعتبر أن الناس ستحتفظ بصورتها حليقة الرأس وتنسى كل إطلالاتها الأخرى، توضح: «الناس يتعاملون مع الصورة الآنية، نشرت صورتي عندما حلقت رأسي ثانية، وعلقت بأنها تجربة وسأتجاوزها، وطلبت من الناس ألا يعلّقوا بكلمات فيها شفقة لأن سقوط شعري هو أحد عوامل العلاج، وحتى لو أخبرني الطبيب ثانيةً أنني في حاجة إلى علاج وبأن شعري سيتساقط ثانيةً سأخضع للعلاج».

وعن نصائحها لمرضى السرطان، تقول: «لست على علم بمعاناة كل مريض سرطان ونوعية مرضه، لكن نصيحتي هي أن نتخلى عن الخوف لأن السرطان صديق الخوف. أتعامل مع مرضي كالأم التي ولدت طفلاً مشوهاً أو معوّقاً، ولا تستطيع أن تتخلى عنه بل تحتضنه وتساعده وتقدم له العلاج ليتعافى من الإعاقة. السرطان هو خلل معين في بعض الخلايا، وبالتالي لا نستطيع أن نقتله، بل أود أن أساعد جسمي لتتعافى هذه الخلايا وأتحسن، عندما أفكر هكذا أشعر بالراحة. في البداية، شبّهت السرطان بالاحتلال، وبالتالي فكرت بأنني لن أسمح للسرطان بأن يحتل جسمي، وكما أحارب الاحتلال سأحارب المعاناة التي أمرّ بها كمريضة». ومن النصائح التي علينا أن نلتزم بها، تقول ريم: الاستماع إلى كلام الأطباء لأنهم يمدّوننا بالأمل، وهم العامل العلمي الذي يشرح حالتنا. كما أن نوعية الغذاء مهمة جداً، فعلى كل مريض أن يتناول الأطعمة ضد الأكسدة كأنواع التوت البري، الابتعاد عن اللحوم قدر المستطاع والتركيز على الخضار، إضافة إلى العصائر الطبيعية لأنها ترفع نسبة المناعة، والابتعاد عن مشتقات حليب البقر. ومن المهم أن تكون معنوياتنا قوية ونبتعد عن اليأس، لأن هذا المرض في حاجة إلى صبر طويل، وربما لن نتخلّص منه نهائياً، لذلك علينا ألا نخاف».